الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

269

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقوله : « بيد » - بفتح الباء الموحدة ، وإسكان المثناة من تحت وفتح الدال المهملة - أي : غير . وإذا عرف هذا ، فقوله تعالى : إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ « 1 » أي على نبيهم موسى حيث أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت ، فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم لأجله . فإن قيل : هل في العقل وجه يدل على أن يوم الجمعة أفضل من يوم السبت والأحد ، وذلك لأن أهل الملل اتفقوا على أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام ، وبدأ الخلق والتكوين في يوم الأحد ، وتم يوم الجمعة ، فكان الفراغ يوم السبت ، فقالت اليهود : نحن نوافق ربنا في ترك الأعمال ، فعينوا السبت لهذا المعنى ، وقالت النصارى : مبدأ الخلق والتكوين يوم الأحد ، فنجعل هذا عيدا لنا ، فهذان اليومان معقولان ، فما الوجه في جعل يوم الجمعة عيدا ؟ فالجواب : إن يوم الجمعة هو يوم الكمال والتمام ، وحصول الكمال والتمام يوجب الفرح الكامل والسرور العظيم ، فجعل يوم الجمعة يوم العيد أولى من هذا الوجه واللّه أعلم . قال ابن بطال : وليس المراد في الحديث أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فتركوه ، لأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض اللّه تعالى عليه وهو مؤمن ، وإنما يدل - واللّه أعلم - أنه فرض عليهم يوم الجمعة ، ووكل إلى اختيارهم ليقوموا فيه بشريعتهم فاختلفوا فيه ولم يهتدوا ليوم الجمعة . كذا قال ، لكن قد روى ابن أبي حاتم عن السدى التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه ، فأبوا ، ولفظه : « إن اللّه تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا ، وقالوا : يا موسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم » . وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم ، كما وقع لهم في قوله تعالى : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ « 2 » وهم القائلون سَمِعْنا وَعَصَيْنا « 3 » .

--> ( 1 ) سورة النحل : 124 . ( 2 ) سورة البقرة : 58 . ( 3 ) سورة البقرة : 93 .